الأحد، 13 مايو 2012

الشعب في مواجهة "لاري فلينت"


في أحد أهم أفلامه، يحكي لنا التشيكيّ الكبير "ميلوش فورمان" عن "لاري فلينت" أحد أهم أعمدة صناعة "المواد الإباحية" في الولايات المتحدة ومن ثمَّ العالم. في أحد المشاهد، يقف البطل على خشبة المسرح، ويعرض مجموعة من الصور تتنوع بين موضوعين: مشاهد ضحايا الحروب، ومشاهد إباحية عارية. ويحاول إقناعنا بأن الفسق الحقيقيّ ليس في الصور العارية التي لا يُضارُ أحدٌ منها، بل من الحروب التي تقتل آلاف البشر.

لم يروقني -بالقطع- المنطق المعووج للمشهد، ولكن من يأبه بحديث رجل كهذا!؟ كانت المفاجأة أن أجد ذات الكلمات على لسان أحد أهم مثقفي أوروبا، إذ يقول: "الفجور لا يكمن في الأفلام الإباحية، بل في أن ثمّة أناسٍ بيننا يموتون بسبب الجوع والحروب العبثيّة." ... إنه البرتغالي الرهيب "جوزية ساراماجو" صاحب رواية "العمى". الاختلاف مع "ساراماجو" هو أمرٌ آخر، ولذا فسأحاول إيضاح سبب رفضي لذلك الرأي.

تختزل تلك العبارة "الأفلام الإباحيّة" في صورٍ تعرضُ بشرًا يمارسون الجنس أمام الكاميرا. يشاهدهم آخرون ولا يضرُّون بذلك سوى أنفسهم. ولكن الأمر في رأي أكثر عمقًا من ذلك. فتلك المواد الإباحيّة التي "تستعمل" البشر كشيء يتم عرضه مقابل كمية من الأموال، هي ناتج ذات الحضارة الماديّة التي جعلت من المنفعة دينًا لها، وانفصلت تمامًا عن أي قيمة إلا قيمة الربح. فهي ذات مرة تستخدم البشر العراة من أجل ذلك، ومرة أخرى تقتل البشر الفقراء من أجل ذلك أيضًا. إن "البورن" و"الحروب" هما تجليات مختلفة لنفس الفلسفة التي تحرك الأشياء في عالم اليوم. وهما -في طنِّي- على نفس الدرجة من الفجور. هما مثل مريض بذات الكبد، لن يختلف الأمر إن كان فيروس "سي" أو ورم سرطانيّ. كلاهما قاتل، وأحدهما يؤدِّي إلى الآخر.

وأنا أذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، وأظن أن "الحروب" وصورها الدامية هي أخفُ ضررًا (على المستوى البعيد) من مجتمع تسامح مع تداول "المواد الإباحية". إن تلك الحروب تشبه "الألم" الذي يوجع الجسد من آنٍ إلى آخر، فيدفع الواحد منَّا إلى التحرك بحثًا عن علاج، وأخطر السرطانات، هي تلك التي تنتشر عبر الجسد من دون ألم. فـ "الإباحيّة" التي يتم النظر لها على أنها مجرد "قلة أدب" و"هرمونات شباب" هي سرطانٌ خبيث، يحصر الإنسان في عالم الحس، ويلعب على شهوة الحيوان القابع بداخله، التي لن تجدي معه بعد ذلك الفلسفات والفنون والأديان. ويتم تكريس منطق المنفعة الماديّة وحدها كمحرك للأشياء!!

إن النفور من صورة "فتاة فيتنام" الباكية كانت سببًا في توقف الحرب التي خاضها الأمريكان على قومها. أما صور السيد "لاري فلينت" العارية، فكانت سببًا -من بين أسباب أخرى- في خلق جيل خاض تلك الحرب التي امتهنت آدميّة شعب كامل. صور "لاري فلينت" كانت سببًا ونتجية لذات الفلسفة المميتة!!

والله أعلم

عن كونتن تارانتينو و بلب فيكشن وأشياء أخرى


     
  
عقب انتهائي من مشاهدة فيلم "بلب فيكشن" شعرت بأني قد تعرضت لخدعة ما؛ فقد كنت أعِدُ نفسي قبله لساعتين من التمتع السينمائي العظيم، ولكني باستثناء الإعجاب بطريقة السرد لم أعجب بشيء آخر؛ إذ أن هذه النوعية من الأفلام لا تروق أمثالي ولا تجذبهم، كما أن الفيلم لا يحوي أيَ عمقٍ في الفكرة.

    عند هذه الجملة الأخيرة تحديداً -"أن الفيلم لا يحوي أيَّ عمقٍ في الفكرة "- توقفت، وتذكرت كلمة قالها أحدُ الأصدقاء -ساخراً من مدعي العمق- لصديق آخر كتب تدوينة ساخرة، قال :لِمَ لم تكتبْ في مقدمة مقالك :طالبو العمق يمتنعون عن قراءة هذا المقال. تذكرت الكلمة وسخرت من نفسي كثيراً وبدأت أفكر في الفيلم من زاوية مختلفة.

    نظرت أول ما نظرت إلى اسم الفيلم "Pulp Fiction"، ونظرت كذلك إلى ملصقه الدعائيّ، أما الاسم فهو مصطلح أمريكي يُطلق على نوع من الكتابات موضوعها دائماً هو رجال العصابات والأبطال الخارقين .... إلخ، وتُطبع هذه المجلات على ورق خشن داكن غير مكتمل الصنع، كما أن هذا المصطلح يقترب كثيراً من معنى كلمة "بوب أرت" ويُقصد بها الكتابات الموجهة للعوام من غير ذوي الثقافة أي"الشعبية". أما الملصق الدعائي للفيلم فهو مصمم على شكل غلاف إحدى هذه المجلات تظر فيه "أوما ثورمان" ممسكة بمجلة من نوعية الـ "بلب فيكشن" . لم يكتفِ تارنتينو بذلك، بل أورد هذا المعنى الذي أوضحته لك في افتتاحية فيلمه، أي أن الرجل يقسم لنا برأس أبيه أنه سوف يقدم في فيلمه هذا عملاً سينمائياً يقوم بالأساس على هذا النوع من الكتابات وليس عملاً ذا عمق و أبعاد.

    على هذا الأساس، ومن هذا المنطلق فإن المشاهد الـ (عميق!!) لا يملك إلا أن يستمتع بالعمل بهذه الطريقة، أو أن يمتنع عن مشاهدته بالكلية، أما أن (يركب دماغة) -مثلما فعلت أنا- ويحاول أن يقيم الفيلم بنفس التناول المتبع مع أفلام "فرانسيس فورد كوبولا" مثلاً فهذا دربٌ من الغباء المتحجر. يقول "د. أحمد خالد توفيق" بهذا الصدد أنه مثل أن تحضر مباراة لكرة القدم تتبعها بأخرى للتنس ثم تتعجب من أن لاعبي التنس يضربون الكرة بالمضارب بدلاً من الأقدام، بل وتتعجب كذلك من حجم الكرة وشكل الملعب الذي تقطعه عرضاً شبكة تقسمه إلى نصفين، لكل لعبة قواعدها وشكلها الخاص بها ولايمكن أن تحكم على إحداها بقواعد الأخرى.

    يقول "أنيس منصور" أن القطع الفنية تشبه ثمرات الفاكهة، يجب أن تعرف طبيعة كل ثمرة منها كي تختار الطريقة المناسبة لتناولها؛ فالبعض تأكله بيدك مباشرة، والبعض الآخر يحتاج سكيناً أو شوكة أو ملعقة، بعضها يحتاجُ تقشيراً أو تكسيراً أو أن تعصره....إلخ. على هذا الأساس يجب أن يكون تعاملنا مع أفلام السينما؛ فمعالجة مُخرِجَين لنفس الفكرة، قد تنتج فلمين مختلفين بشكل تام عن بعضها، مثلاً معالجة "فكرة التلصص على الجيران من النافذة" أخرج منها "ألفريد هتشكوك" فيلم"نافذة خلفية"، الفيلم الذي يعد تحدياً يُدرًّس لبناء حكاية فيلمية كاملة من زاوية بصرية واحدة تُوضع فيها الكاميرا طوال الفيلم، بينما عند "كريستوف كيسلوفسكي" كان فيلمه المسمى بـ "فيلم قصير عن الحب"، هو قطعة شعرية جميلة من قطع "كيسلوفسكي" تختلف بشكل مطلق عن معالجة "هيتشكوك" . كما أن مُراد المخرج من صناعته للفيلم يحتم علينا تغيير نظرتنا من فيلمٍ لأخر؛ فيستحيل أن نقيم فيلم "غير مغتفر" لـ "كلينت إيستوود" بنفس المعايير التي نضعها عند مشاهدة فيلم "الطيب والسييء والقبيح" لـ "سيرجيو ليوني"، بل أن أفلاماً لنفس المخرج ربما تختلف عن بعضها بشكل مطلق؛ فأفلام مثل "الفك المفترس" و "قائمة تشاندلر" و "ذكاء اصطناعي" و "حديقة العصر الجوراسي" جميعاً من إخراج "ستيفن سبيلبيرج" ولكن لكلٍ منها طريقته في التحليل والتناول.

    الخلاصة أن كلَ مخرجٍ مبدعٌ بطريقته وكلاً منهم عظيمٌ في دربه الذي ينتهجه، "إنجمار برجمان" و "ألفريد هيتشكوك" كلاهما من أعظم عشرة مخرجين في تاريخ السينما، ولكن مقارنة أعمال أحدهما بأعمال الآخر تُعد درباً من إضاعة الوقت و الجهد.

    وبهذه الخلفية الجديدة أعدت تأمل فيلم "بلب فيكشن"، فكان أول ما لفت انتباهي هو نفس موطن إعجابي السابق، طريقة السرد السينمائية المتبعة في الفيلم. تدور أحداث الفيلم في الفترة الزمنية الواقعة بين صباح أحد الأيام و صباح اليوم الذي يليه، وتقع خلال هذه الفترة عدة مواقف يتم عرضها على الشاشة بدون الالتزام بالترتيب الزمني لحدوثها، مع عرض بعض هذه الأحداث من خلال وجهتي نظر مختلفتين (تقنية البوليفونيك polyphonic) وقد استخدم المخرج هذه التقنية أكثر من مرة خلال الفيلم، كما أن النص مقسم إلى عدة مقاطع لكل منهم عنوان وبطل، فبطل أحدها هو "تيم روث" بينما "بروس ويلز" هو بطل مقطع آخر ومقطع ثالث بطلاه هما "ترافولتا" و "أوما ثورمان"، أما البقية فكانت بطولتها من نصيب "جون ترافولتا" و"صامويل ل. جاكسون"، وبين هذه المقاطع يقفز الأبطال، فنرى "بروس ويلز" يظهر بشكل ثانوي في مشهد رجوع "ترافولتا وجاكسون" إلى البار حيث ينتظرهم رئيس العصابة "مارسيلاس والاس" ولا يظهر ثانية في بقية هذا المقطع من الفيلم ونشاهد أوما ثورمان (ميا) كشخصية رئيسية في مشاهد سهرتها مع ترافولتا (فينسنت فيجا) وبعض قليل تظهر بشكل ثانوي طفيف في مقطع تالٍ من الفيلم وهو نفس المقطع الذي يظهر فيه "ترافولتا" ككومبارس صامت يقتله المصارع بوتش (بروس ويلز) في ثانية واحدة .بلغ "تارنتينو "قمة الإتقان في استخدام هذه التقنيات عند مشهد نهاية الفيلم الذي لم يكن سوى استكمالاً لافتتاحيته وإعادة سرد لها من منظور بطل مختلف.

   قضى "كونتن تارنتينو" سنوات من شبابه يعمل في مستودع لأفلام الفيديو، شاهد فيها عدداً ضخماً من الأفلام مما جعله على دراية تامة بـ "كلاشيهات" أفلام الحركة والعصابات، وقد قدم في فيلمه هذا العديد من المواقف التي يسخر فيها من هذه الكلاشيهات، خاصة تلك التي تخص رجال العصابات المحنكين!! حيث نراهم في مواقف تقترب من الهزلية، بل والإهانة في أحيان كثيرة. من أجمل هذه الصور الساخرة هي لقطة النهاية التي نرى فيها "جون ترافولتا" و"صاومويل ل. جاكسون" يخرجون من المطعم وكلٌ منهم يضع مسدسه في الشورت!!، كما نراهما في مشهد آخر يتلويان –وهم الرجال شديدو المراس- من المياة التي يرشها "هارفي كيتل"، ناهيك عن الكم الهائل من الألفاظ النابية التي يزخر بها حوار الفيلم، وهو بالمناسبة حوار يخلو من أية دلالات لكنه شديد الواقعية والجودة والإمتاع، يصر المخرج على سخريته التي تصل إلى حد إهانة هؤلاء المجرمين؛ فها هو الزعيم الأسود الضخم يتم اغتصابه، وآخر-فينسنت فيجا- يتم قتله بمنتهى البساطة ويسقط قتيلاً في دورة مياه، أما الشاب الواثق بنفسه-تيم روث- فنراه في المشهد الأخير يخرج مع فتاته من المطعم في حالة يُرثى لها. لم ينجُ من هذا السيل من السخرية سوى المجرم التائب "صامويل ل. جاكسون".

    هناك مبدأ معروف أن (الكذبة) التي لها تفاصيل يصعب إنكار مصداقيتها، هذا القاعدة يفهمها بوضوح "تارنتينو" بل أنه صرح بها على لسان أحد الشخصيات الثانوية في فيلمه الأول"كلاب المستودع" عندما أخبرت هذه الشخصيةُ الشرطيًّ المتخفي-السيد أورانج (تيم روث)- أن يحكي للعصابة حكاية رجال الشرطة الذين وجدهم يتاجذبون أطراف الحديث في إحدى دورات المياه بمحطة القطار أثناء عملية تهريبه لكمية كبيرة من المخدرات وكيف تصرف معهم بأنه لم يهرب بل دخل لقضاء حاجته وكيف أنه استفزهم كذلك. هذه الحكاية تحوي تفاصيل وتحوي كذلك نقاط ضعف إذ أنه من غير المُقنِع أن يسير أي مهرب بكمية كبيرة من الماريجوانا ويتجول بها هكذا في الشارع ومحطة القطار، كما أنه من غير المقنع أن يمضي هذا المهرب في هدوئه إلي الحد الذي يجعله يستفز رجال الشرطة، ولكن هنا يظهر المبدأ الثاني الذي ينص على أن نقاط الضعف في الحكايات تجعلها أحياناً أكثر قابلية للتصديق. هذان المبدآن يفهمهما المخرج السينارست لذلك نجد أن لهما بالغ الأثر في صناعته لتفاصيل الشخصيات وبعض الانحناءات في سيناريو الفيلم.
أما عن التفاصيل في شخصيات "تارنتينو" فهي تظهر بوضوح منذ فيلمه الأول "كلاب المستودع" بخاصة في شخصية السيد (بلوند) المجرم السادي الذي يستمتع بتعذيب أحد رجال الشرطة ويقطع أذنه ويشرع في حرقه حياً كل هذا وهو يستمع إلى أحد الأغنيات المرحة التي تنبعث من الراديو، تستمر هذا التفاصيل كذلك في "بلب فيكشن" ونراها في شخصية صديقة "بروس ويلز" البلهاء ذات الملامح الفرنسية الطفولية وطريقتها الساذجة الحديث، ونراها كذلك في شخصية سائقة التاكسي التي قامت بتوصيل "بروس ويلز" بعد انتهاء المباراة، فتاه ذات اسم غريب وشكل غريب ولكنة عجيبة، وكذلك زوجة بائع المخدرات التي تضع في وجهها عشرات الحلقان،  أما أوضح الأمثلة فهي شخصية السيد"وولف" (هارفي كيتل) المجرم الهاديء المنظم الذي يعرف ما يفعل جيداً.
تفاصيل وتفاصيل ... هذا هو أبرز ما يميز سينما هذا المخرج الذي صنع علاماته الخاصة أو بكلمة أخرى فنحن نستطيع أن نقول بكونه قد نفض عنه كلاشيهات الأخرين ليصنع كلاشيهاته الخاصة به.
أما عن القاعدة الثانية الخاصة بنقاط الضعف في الحكايات فنحن نراها في أكثر من موضع في هذا الفيلم، الرجل الذي يطلق على ترافولتا وجاكسون وابلاً من الرصاص دون أن يصيبهما ولو بجرح، المقابلة الغير منطقية لـ"بروس ويلز" وزعيم العصابة في الشارع،كما نرى كذلك أنه في كل مقطع من مقاطع الفيلم الثلاثة، تقع حادثة غير منطقية، لتغير الأحداث تماماً. كل هذا ينجح "كونتن تارنتينو" بطريقة عجيبة في جعله مقنعاً بل سبباً في جعل أحداث الفيلم أكثر منطقية.

    كما اتفقنا مسبقاً أن الفيلم هو قطعة من الـ "بلب فيكشن" بلا أي نية لإنتاج شيء له أبعاد ودلالات، ولكننا نلحظ كذلك أن هناك أشياء تستحق الملاحظة دون أن يكون لها عمق ما، ولكنها موجودة بالفيلم،أشياء -كما يقول أحد الأصدقاء- تشبه قصص أجاتا كريستي التى تنشط العقل ليعمل في ملاحظات لا يميزها سوى كونها طريفة تستحق الانتباه.
مثلاً نلاحظ أن الجرائم تحدث غالباً في وقت الصباح قبل الإفطار، "ترافولتا" و"جاكسون" قتلا أربعة أشخاص ثم ذهبا لتناول الإفطار وأثناء الطعام يتعرض المكان لمحاولة سرقة بالإكراه. "بروس ويلز" خرج لاسترداد ساعته لكنه قبل أن يعود يقتل شخصين ويتعرض وزعيم العصابة "مارسيلاس والاس" لمحاولة اغتصاب ... هكذا ببساطة تامة وكأنها أمور اعتيادية يفعلها (الأمريكان) يومياُ قبل الإفطار.
نلاحظ كذلك جون ترافولتا في دورة المياه يقرأمجلة من نوعية الـ "بلب فيكشن" ويخرج ليجد كارثة في انتظاره، تكرر هذا الموقف ثلاث مرات خلال الفيلم.
نقطة طريفة أخرى ولكني لم ألحظها إلا بعد أن نبهني إليها أحد الأصدقاء، وهي أن هناك تدرج في أفعال الخير التي يؤديها الأشرار، أول هذه الأفعال هو امتناع "فينسنت فيجا" عن إقامة علاقة مع "ميا" زوجة الزعيم، وكان ذلك بسبب خوفه من زوجها، ثاني هذه الأفعال كان قيام الملاكم "بوتش" بإنقاذ زعيم العصابة "مارسيلاس والاس" من قبضة الشرطي الشاذ، وكان دافعه وراء ذلك هو أن يقدم المساعدة له أملاً في أن يعفوَ عنه، ثالث هذه الأفعال هو امتناع "صامويل ل. جاكسون" عن قتل "تيم روث" بل أعطاه بعض المال بدلاً من ذلك، ولكن دون دافع من وراء الخير هذه المرة، فعلها فقط كبداية لطريق التوبة. وهكذا نرى التدرج في فعل الخير من أجل تحقيق مصلحة أو دفع ضرر في الموقفين الأول والثاني إلى مرحلة الخير للخير التي تظهر في الموقف الثالث.

    السيطرة على الممثلين كانت أحد أبرز عناصر الإجادة في صناعة هذا الفيلم، والسيطرة هنا لاتعني استخراج أقصى قدرات الممثل؛ ولكنها تعني الاستفادة من عنصر التمثيل في وصول المخرج لهدفه من وراء صناعة الفيلم وهو أمر صعب في ظل التعامل مع هذا الكم من النجوم ذوي الأسماء التجارية الجاذبة للجمهور.

    هناك الكثير من التفاصيل والملاحظات التي يعمر بها "بلب فيكشن" أو التي تعمر بها سينما "كونتن تارنتينو" بوجه عام، ولكني أكتفي بما قلت. ونهاية أود أن أشير إلى أن كتابة هذا المقال لم تكن سوى محاولة اعتذار أقدمها لهذا الفيلم وصانعه الموهوب عن اندفاعي في الحكم عليه بشكل خاطئ عند مشاهدتي الأولى له، فهو نص متماسك للغاية بلا أخطاء تقريباً, وطريقة سرد رائدة ظهرت على شاكلتها الكثير من أعمال النصف الثاني من التسعينات و العقد الأول من هذا القرن كما أظن. ولذلك أو على ذلك فإني لم أقدم مقالاً نقدياً للفيلم بل هي رؤية عامة حوله ومحاولة لإبراز مواطن إعجابي به.

الأحد، 18 مارس 2012

ضبابٌ حول "شوشانك"



إهداءٌ إلى ... إيناس فهمي

وماذا يفعل الإرهاب أكثرَ من أنّ ينجحَ في جعل كلٍِ منَّا يتولى إرهاب نفسِه بنفسه، فيقوم هو بإسكاتها، وإخضاعها للأمر الواقع الرهيب؟  
ـــــــ العسكري الأسود
– يوسف إدريس


    ثمّة عادة قديمة لديّ؛ أحاول دائمًا ترجمة عناوين الأفلام إلى كلمات عربيّة: الختم السابع .. جرائم وجنح .. أحدهم طار فوقَ عشِّ الوقواق.  اصطدمت ها هنا بكلمةRedemption
ومن عندها يبدأ تعاملنا مع الفيلم الذي أخرجه "فرانك دارابونت" في العام 1994، عن رواية قصيرة لـ "ستيفن كينج" تحمل العنوانRita Hayworth and Shawshank Redemption
حسب معجم "لونج-مان"، فالكلمة تعني: التحرر من طاقة الشيطان، وهي قدرة لدى السيد المسيح. وتعني كذلك: شيءٌ شديد السوء، فلا ينبغي الاحتفاظ به.

ومن ثمّ، فإن ترجمة العنوان –كما هو متعارف عليه- بـ: "الخلاص من شوشانك"، يُعَدُّ قتلاً لمعنى الاسم.

تبدأ أحداث الفيلم بقطع متوازي بين مشاهد محاكمة "آندي دفرين" المتهم بقتل زوجته وعشيقها، في منزل الأخير، وبين مشهد الخيانة، ومشهد المتهم ثمِلاً، يحشو مسدسه خارج المنزل في سيارته. تتم إدانة الزوج، والحكم عليه بالسجن في "شوشانك".

    منذُ اللحظة الأولى داخل السجن، ندرك أنّه مكانٌ لقتل الإنسان الكائن بداخل أجساد النزلاء، وتحطيم إرادته ... مشاهد رشهم بالمياه ومسحوق قتل القمل. ومأمور السجن يعلن أن السجن ومن فيه، هم مِلكٌ له.
منذ البداية ندرك أن الصراع داخل بناء الفيلم، هو ليس بصراع أشخاص، بل هو بين إرادة التحرر الإنسانيّة، وروح السجن الثقيلة التي تقتل تلك الإرادة. ويتم التعبير عن ذلك الصراع الجوانيّ داخل النفوس بآخر خارجيّ بين النزلاء، وبين العوامل المحيطة بهم من حراس ومجرمين خَطِرين، وقضبان السجن وكل عوامل الإهانة الممكنة.

عن هؤلاء الذين ماتوا:
    ونقسم النزلاء هناك إلى نماذجٍ ثلاثة:
نموذج أعلن عجزه منذ البداية عن تحمل كل ذلك، فما كان منه إلا أن مات.

    والنموذج الثاني –وهو يتجلى في الجميع عدا "آندي"- هو هؤلاء الذين انتصر "شوشانك" عليهم، فقتلهم من الداخل.
يقدِّمُ لنا الفيلم، هذا النوذج في مثالين، أحدها ناضج نراه في بداية الأحداث متمثِّلاً في العجوز "بروكس"، الذي كان يعمل في مكتبة السجن. والذي يقدم على قتل أحد زملائه كي يُسجن من جديد، ولا يتم الإفراج عنه ... ذلك بعد أن صدر قرار العفو عنه. وعند خروجه من السجن، يهلعُ من مرآي السيارات والناس. يعمل في محل للبقالة، ويقيم بأحد الأماكن التابعة للسجن. ولكنه يفشل في أن يحيا كإنسانٍ حر، فينتهي به الأمر إلى الإقدام على الانتحار في حجرته!!
أمّا المثال الثاني، فهو "ريد" الذي لعب دوره "مورجان فريمان". ونحن مع هذا المثال منذ البداية، وبالتدريج حتى لحظة نضجه في النهاية. "ريد" هو الرجل الذي يجلب الأشياء إلى داخل السجن. عبر مشهد يتم تكراره خلال الفيلم، نتابع نضج ذلك النموذج.  في المشهد يتم عرض المذنب على لجنة لتقييم سلوكه، وهل تم تأهيلُه بحيث أصبح جاهزًا للاندماج في المجتمع أم لا؟ في كل مرة يؤكد لهم أن تأهيله قد تم، وأنه أصبح فردًا صالحًا. وفي كل مرة يتم رفض العفو.حتى تأتي المرة الأخيرة التي يُعرَض فيها على اللجنة، وفيها يدرك "ريد" أن الصبيَّ المراهق الأحمق الذي ارتكب جريمة قتل قبل أربعة عقود، صار  شيخًا في عقده السادس. وأن مسألة انضمامه إلى المجتمع ثانية، هي محض عبث. ففكرة التأهيل هي كذبٌ كبير. ويطلب من وكيل النيابة أن ينهي الجلسة، وألاَّ يضيع وقته. وهنا يصدر العفو عن "ريد". وكأن اللجنة تنتظر لحظة موت الإنسان في السجين، وتحوله إلى كائن قد تم تدجينه تمامًا، قبل أن تلقي بهم إلى المجتمع ثانية، ذلك المجتمع خارج جدران السجن، الذي لم يعد السجين مؤهلاً للانضمام إليه.

يخرج "ريد" من "شوشانك"، ويعمل في ذات محل البقالة الذي عمل فيه "بروكس" من قبل، ويسكن في ذات الحجرة، ونرى ذات العجوز قد تم إنتاجه أمامنا مرة أخرى. نرى شيخًا غادر جسدُه السجن، ولكن روحه ظلت هناك، وظلَّ هو يطلب الإذن كلما أراد قضاء حاجته.
ولا يمنعه من الانتحار، إلا الأمل الذي زرعه "آندي" داخله، عندما وعده أنهما سيعيشان معًا خارج شوشانك، ورسم له الطريق الذي يمكنه من خلالها أن يلحق به.

    قبل أن نعرج إلى النموذج الثالث المتمثِّل في شخصية "آندي دفرين" التي لعبها "تيم روبنس"، دعونا نتوقف قليلاً.

الضباب:
    تكلمنا عن الصراع داخل الفيلم، ويمكننا ألاَّ نحمِّله بأكثر مما قلنا، ولكننا نصطدم بمجموعة من الإشارات تكتسب دلالاتها من معرفتنا بالخلفية الفكريّة لـ "فرانك دارابونت"، والظاهرة في أعمالٍ أُخرى له. وأعني منها فيلمه "الضباب" المُنتَج في العام 2007 عن رواية قصيرة لـ "ستيفن كينج" أيضًا. يحكي الفيلم عن مجموعة من الأشخاص المحاصرين داخل "سوبر ماركت"، بعد أن اجتاح الضبابُ المدينة، حاملاً في ظلامه أعدادًا هائلة من المسوخ التي عبرت إلينا عبر ثغرة زمكانيّة، جرَّاء بعض تجارب الجيش الأمريكيّ. تدور الأحداث، ويتحول المحاصرون إلى مجموعتين؛ الأولى -وفيها أغلبهم- تقودهم سيدة مخبولة، تتحدث بلسان الكتاب المقدَّس، وتخبرهم بأن ما هم فيه من بلاء، إنما هو حصيلة الخطايا التي اقترفوها، والتي دنست الدنيا من حولهم، وها هم يتطهرون بعذاب الربِّ لهم. وتقنع أتباعَها بألاَّ يغادروا المكان. والمجموعة الثانية، هم قلة قررت الخروج، والمقاومة من أجل النجاة، ولكن تمنعهم عن ذلك السيدة ومن حولها. إلى أن يتمَّ قتلها على يد أحدهم. وتخرج الفرقة التي قررت ألاَّ تترك مصيرها لعبث الأقدار، وأن تملك زمام أمرها. وفي النهاية يأتي الخلاص لهذه الفرقة متأخرًا بعد أن أقدموا جميعًا على الانتحار، إلا واحد منهم. يأتي الخلاص في صورة فرق من الجيش جاءت لإنقاذ الناس.
الصراع هنا واضح تمامًا، بين من يخضع لإرادة خارجة عن إدراكه (إرادة الرب)، وبين من يريد أن يدير الكون من داخله، وأن تكون الأحداث فيه ناتجة عن إرادة البشر، الذن هم "مسئولون عن قراراتهم حتى النهاية" كما يقول الوجوديون. هذا صراع بين فكرة الإيمان بالله وقدره، وبين النزعة الإلحاديّة الماديّة. والمخرج يميل إلى التصور الثاني الذي وإن أودى بحياة أبطاله، لكنهم ملكوا أمر نفسهم، وقرروا مصيرهم بأيديهم، ونحن على كل حال لم نعرف مصير الجماعة الخانعة التي قبلت بقرار الربّ!!

"آندي دفرين":
    نعود إلى النموذج الثالث .. "آندي" الذي تمت محاكمته متهمًا بقتل زوجته، ونحن -المشاهدين- لم نرَ وقائع القتل ولكننا نرجِّح أنه هو الفاعل، على الرغم من إنكاره. يدرك "آندي" في أيامه الأولى طبيعة الصراع في السجن، ويبدأ مواجهته بالإبقاء على دفء الحريّة الإنسانيّة بداخله. ويتم التعبير عن هذا الصراع –وكما أشرنا من قبل- في صورة مجموعة من شواذ السجن الذين يجعلون من "آندي" هدفًا لاغتصابهم ... لقد اغتصبوا جسده (كالسجن الذي يحبسه بين قضبانه) لكنهم قط، لم ينالوا من روح التحدي والقتال من أجل الحريّة بداخله. يتعرض لهجومهم مرارًا، ولكنه يقاوم، ويقاتل في كل مرة. هذا هو حرفيًّا الصراع الذي يمثله السجن في داخل كل سجين.
تشتدُ وطأة السجن، و"آندي" يقاوم، ويحاول الفرار بروحه إلى خارج الأسوار، مرة بملصقات الأفلام التي يزين بها غرفته، ورقعة الشطرنج التي صنعها من الأحجار المتناثرة في فناء السجن، والمكتبة التي أقامها. وكأنه عندما أدرك أن جسده أسيرًا، بعيدًا عن دنيا الناس، قرر أن يحضر الدنيا إلى داخل زنزانته. ونرى المشهد الذي يطلب فيه زجاجات البيرة من أحد الحراس كأجر على معاونته في مسألة لها علاقة بالحسابات، ويتم تقديم البيرة الباردة لزملائه وكأنه يبعث روح التحرر بداخلهم. ويَذيع صيتُه في مجال الحسابات. الأمرُ الذي يغري مأمور السجن بالاستعانة به من أجل بعض الفساد الماليّ، الذي يدرُّ ربحًا وفيرًا على ذلك الأخير.
    وهنا تتدخل السماء لتبرئة "آندي" بعد كل ما مر من سنين، في صورة شاهد يثبت عدم إقدامه على جريمة القتل. وأمام إرادة السماء تقف إرادة مأمور السجن، الذي يرفض خروج المتهم البريء، ويودعه الحبسَ الانفراديّ. ويقتل شاهد النفي. وتبدو إرادة المأمور وقد انتصرت، ولكن تأتي النهاية بهروب "آندي دفرين" من "شوشانك"، عبر نفقٍ حفره بمطرقة صغيرة خلال عشرين عام، وقد انتصرت إرادته على (عجز إرادة السماء)، وظلم إرادة الأرض.

    يمكننا التوقف قليلاً عند فكرة (عدم تدخل إرادة السماء منذ البداية، وعجزها لاحقًا، وعلو يد البشر في التحكم بمصير "آندي" في النهاية) ... وبتذكر خلفية المخرج التي رأيناها منذ لحظات عبر فيلمه "الضباب" ... وببعض إشارات الفيلم، ومن ذلك ربما تكون للرؤية التالية وجاهتها.

 "من قال: لا. فلمْ يمُتْ":
    يمكننا أن نُسقطَ رمزَ الدين (أو قل الفكرة الإيمانيّة) على سجن "شوشانك"، الذي يضع مأموره دبوسًا على هيئة صليب، ويقول للمساجين من اللحظة الأولى أنه لا يؤمن إلا بالكتاب المقدَّس الذي يكمن الخلاص بداخله ويخبرهم أنه لا يقبل إهانة اسم الرب داخل سجنه. والنزلاء الذين يدخلون إلى زنازنهم عرايا كما لحظة الميلاد، هم بشرُ هذه الدنيا، الذين إما هم عاجزون عن تحمل أقدارها، أو يخدعون أنفسهم بوهم الرب الذي يسيطر عليهم، فيفسرون أحداث الكون بقوة خارجة عنه، ومن ثمَّ يقبلون بها.  وهناك أولئك الذين أعلنوا رفضهم، يهربون عن طريق الفنون (نرى النفق الذي حفره "آندي" للهرب وقد تمت تغطيته طيلة أعوام بملصق لأحد الأفلام)، وعن طريق القراءة )المكتبة التي أقامها البطل وهدده مأمور السجن بحرقها إن لم يعاونه)، وموسيقا "موتسارت" التي رددها "آندي" في جنبات السجن ذات مرة، باعثًا بها نسمات الحرية، تداعب أرواح الإنسان في المساجين ... موسيقا "موتسارت" التي رافقته في حبسه الانفراديّ، يتردد صداها في روحه، كالأمل للخروج من السجن.
وتتبلور هذه الرؤية في مشهد ساخر بنهاية الفيلم، إذ ندرك أن "آندي" استخدم الكتاب المقدَّس كـ(شيء) يخفي بداخله المطرقة التي حفر بها نفق الهروب. وقد كتب في سخرية في أولى صفحات الكتاب "الخلاص يكمن بداخله" ... الخلاص في شكله الماديّ الذي يدير الكون، لا في القوة الروحيّة التي يمثلها الكتاب المقدس.

    إن "آندي" هو (مسيح) "فرانك دارابونت" .. أو قل مسيح "نيتشه" الذي تكلم عنه في تفسيره لخاتمة أوبرا "دون جيوفاني"، التي يقف فيها الشرير أمام تمثال ضحيته، يسخر منه، فيتحرك التمثال قابضًا على يد قاتله، ويطالبه بالتوبة، فيرفض "دون جيوفاني"، ويكرر التمثال الاستتابة، ويتكرر الرفض، إلى أن يحترق الخاطئ بنيران خطيئته. وهو ما اعتبره نيتشه انتصارًا للانسان الذي يحلم به، الإنسان الذي تحرر من كل إطار فُرِضَ، وفَرَضَ هو إرادته. حتى وإن تعرض للحرق كعقاب نهائيّ، فهو مسئول عن قراراته حتى النهاية.

والله أعلم



الأربعاء، 8 فبراير 2012

إعادة إنتاج النظام



في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، ظهرت لوثة تقديم الفنانين الأمريكيين للمحاكمات بتهمة (العمل ضد مصلحة البلاد)، ومن تحت ذلك العنوان، ظهرت تُهمٌ مثل: (الشيوعية)، و(عدم احترام مؤسسات الدولة) ... إلخ. وتم اتهام أسماء مثل "آرثر ميللر" والألماني "بريخت" وغيرهم.

في إحدى هذه المرات، تم تقديم عددٍ من السينمائيين الأمريكان إلى التحقيق بتهمة "الشيوعيّة". المُلفِت في الأمر هذه المرة كان هُوية لجنة التحقيق التي كانت بكاملها من "الجمهوريين" -إن لم تخنِّي الذاكرة-، أبان فترة يحكم فيها الحزب "الديموقراطيّ". وكانت نتيجة المحاكمة: سجن كل من امتنع عن نفيّ التهمة، ممن استندوا على حقهم الدستوريّ في عدم الإجابة على سؤال يخص الهوية الدينيّة أو السياسيّة.

هنا نتذكر قول مولانا "المسيري" في رحلته الفكريّة، بأن الولايات المتحدة لا تقدم نُموذجًا لتداولٍ حقيقيّ للسلطة؛ فثمة تشابه يصل إلى التطابق بين سياسات وأهداف الحزبين (الديموقراطيّ والجمهوريّ). فالتناحر بينهما من أجل الحكم، هو تنافس من أجل تنفيذ خطة ثابتة. فقط!! تديرها كياناتٌ مختلفة.

يبدو أن هذا الشكل الأمريكيّ الداخليّ، هو ذاته التي ترسمه الولايات المتحدة في الدول التي تدور في فلكها داخل النظام العالميّ الجديد؛ حيث تبقى ذات السياسات مع تغير الوجوه وبحماية جيوش هذه الدول. ويبدو كذلك إني كنت على خطأ عندما لم أقنع بسداد رأي أخي "أحمد عبد الفتاح"، عندما قال أن العداء بين نظام مبارك و"الإخوان" لم يكن اختلافًا إيديولوجيًا بقدر ما هو تسابق إلى تقديم نموذجًا يرضي الأمريكان. ومن ثم فلم تكن وثيقة العار هي صلح الحديبية، ولم يكن جلوس خيرت الشاطر في سفارة الأمريكان نوعاً من المداراة السياسية، بل كان نوعًا من (تقديم السبت، عشان يلاقوا الحدّ). ويبدو أن الأمر كما قال مولانا "أيمن عبد الرحيم": بدل (خمَّارة محمد)، هتبقى (خمِّارة "الحاج" محمد).

إن الأمر هو خطة مرسومة بشكل مسَبَّق، تلعبها وجوه متغيِّرة في الداخل والخارج. ومن يرفض هذه الخطة، فلن يُسمح له باللعب.

ولله تمامُ الدراية، وهو محيط.

السبت، 17 ديسمبر 2011

لا إله إلا الله - الثورة



جعل اللهُ (الثورة) سنتَه في رُسلِه، فما من نبيٍ جاء إلا ليصطدم بالسلطة القائمة، لتحرير الناسِ من عبادة أصنامها، إلى عبادته -سبحانه- واحداً لا شريكَ له. من أجل ذلك نُشرَ زكريا، وقُتل يحيى، ونُصب الصليبُ من أجل المسيح، ومن أجل ذلك وقف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في وجه قريش.
ثَبُت الحسيّنُ على قلة قوته، وعتاده. ثبت لأنه آمَنَ، ولم يجزعْ .. لقد امتلأ قلبُه بالحقِ، فاندلعت الثورة في أفعاله. ألا تكون لكم فيه عليه السلام أسوة حسنة!؟
ما فائدة المسرحية الهزلية المعروفة بالانتخابات إن غابت عن المهرولين لها هذه الرؤية؟ كيف يقولون بتمام الثورة، وأن لحظة البناء قد حانت، ونحن لم ندرك بعدُ "العدلَ" الذي هو الهدف الأصيل -وربما الوحيد- من الثورة؟ أخي (المتكلم) بشمولية الإسلام وثوريته، أنت قُلتَها بلسانِك، وفي (فعلك) أشركتَ بالله العسكرَ!!
إن الملحدَ الذي فقدَ إحدى نوريه في شارع "محمد محمود"، بينما أنتَ تجمعُ الفُتات من فوق موائدِ الأمريكان في سفارتهم - في هذا الملحد (مسٌ) من (إسلام) يفوقك أخي (الإسلاميّ). فأنت رجلٌ ملأته الشروخ؛ أحبَ طعمَ الثريد، ونسى سيفُه العربي سنوات الشموخ.
وها أنتَ الآن يصيرُ دمُ أخيك بين عينيك ماء وتصافحُ من قتلوه فلا تبصرُ الدمَ في كلِ كفِ!! كيف تخطو على جثة ابن أبيك ؟ وكيف تصير المليك على أوجه البهجة المستعارة!!؟ وهل تتساوى يد سيفها كان لك بيد سيفها أثكلك!؟

ثُوْرُوا يرحمْكم الله.

السبت، 10 ديسمبر 2011

التبعية المستترة

تدهشني الكفاءةُ غير الطبيعيّة التي يُظهرُها كثيرٌ من (الإسلاميين) -بعضُهم أصوليون!!- في ترجمة المصطلحات الشرعيّة إلى مصطلحات حداثيّة، أو وصف حادثة أدراها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أو أحدُ صحبه بأوصافٍ لها ذاتُ الطابعِ الحداثيّ، مستبطنين بذلك نوعًا خبيثًا من التبعيَّة الفكريّة، يضع الناتج المعرفيّ الغربي في وضعٍ مركزيّ، ويقيِّم الذات من خلال المُنجَز المعرفيّ الغربي بدون وعيٍّ أو تصريح؛ فيصبح الفعل أو المصطلح الخاص بك ذا قيمة لأنه ماثل آخر غربيّاً (أو سبقَه كما يتفاخرُ البعض). فيتجاهلُ المتكلمُ بذلك خصوصية ذاته ومفارقة منجزِه الحضاريّ، ويقتل وضع المقارنة الذي يجب أن يكون قائماً في عملية نقد الذات والآخر. وتكون الكارثة في عدم التصريح بهذا، فيصبح الأمر كورمٍ سرطانيّ لا تدركه مناعة الجسد، فتكون ضربته قاتلة حالَ ظهوره.

هذه هي "التبعية المستترة" التي وصفها مولانا "المسيري" -رحمه الله-، منتقدًا من يلوي عنق الحضارة العربيّة الإسلاميّة ليثبت أنها احتوت منجزات الغرب، فيصبح ابن خلدون ماركسيًا قبل أن يظهر "ماركس" ذاتُه، ويصبح "بديع الزمان الهمزاني" قصّاصًا يسبق "جودي موباسان" ... ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ولله تمام الدراية، وهو محيط

الجمعة، 2 ديسمبر 2011

التحريرُ النهائيّ


كان اللقاء منذ قرابة العام، خلال ندوة أ. فهمي هويدي، عندما سألني حسن الجبالي عن سبب حُبِّي لـ تشى جيفارا، فأجبت إجابتي المعهودة حينها، بكون جيفارا من كبار المجاهدين، فلم ينفِ حسن ذلك، وسأل: ألا يفضله مثلاً خالد بن الوليد أو أبو سفيان بن حرب؟ فأجبت بذات الرأي الذي قلت به لصديقي وأستاذي د. علي المشد من قبل: أنا بالقطع لا أقلل من شأن عظماء كهؤلاء -رضي الله عنهم-، ولكن الفكرة في جيفارا، هي أن جهاده كان محرراً من أية أيدولوجية أو فكرة، كان جهادًا من أجل الحرية بمعناها المطلق.
توقفت منذ أيام قليلة أمام هذا الرأي الذي طالما اعتنقته، وقد بدأ يتهافت أمام ناظريّ؛ إن الجهاد بمفهومه الإسلاميّ، يتجاوز المعنى الضيِّق المُتَمثِّل في نشر الدين، كما كنتُ أظن أبان الفترة التي كنتُ أدعو نفسي فيها ليبراليًا؛ إن الجهاد يَعُبرُ من هذا المعنى الضيق، إلى فضاء أرحب؛ إنه تكسيرُ عبادة العباد لعبادة ربِ العباد، وتحطيم أصنام الأرض لإعلان الحكم لله واحدًا، إن تكسير تلك الطواغيت، والموتَ في سبيل نشر كلمة الله هو التحرير المطلق النهائي، الخالصُ عن أي شائبة.
ولكني على ذلك خرجتُ من تلك المرحلة بإجلالٍ لـ تشى جيفارا، ومازالت فكرة الموت في سبيل قناعة، تخلبُ لُبِّي، ومازال جيفارا العظيم على إلحاده ولقتاله الحر وهو لا يأمل جنة يجنيها من ذلك الجهاد، يكبرُ عندي على أشباه الرجال الذين يتغنون بقتالٍ باسمه سبحانه وموتٍ في سبيله، وجنة هي وعده، وعندما تأتي ساعة الحق، يتقهقرون في لِحَاهم المدنسة.

ولله تمامُ الدراية وهو غالب.